الملا فتح الله الكاشاني
226
زبدة التفاسير
* ( إِنِّي آنَسْتُ ناراً ) * أبصرتها إبصارا بيّنا لا شبهة فيه . ومنه إنسان العين ، لأنّه يتبيّن به الشيء . والإنس ، لظهورهم ، كما قيل : الجنّ ، لاستتار هم . وقيل : هو إبصار ما يؤنس به * ( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ ) * بنار مقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما . * ( أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ) * مصدر بمعنى الفاعل ، أي : هاديا يدلَّني على الطريق ، أو ذوي هدى بحذف المضاف . وعن مجاهد : هاديا يهديني أبواب الدين ، فإنّ أفكار الأنبياء مغمورة بالهمّة الدينيّة في جميع أحوالهم ، لا يشغلهم عنها شاغل . ولمّا كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقّبين متوقّعين ، بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع ، وقال : لعليّ ، ولم يقطع فيقول : إنّي آتيكم ، لئلَّا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به ، بخلاف الإيناس ، فإنّه كان محقّقا ، ولذلك حقّقه لهم ب « إنّ » ليوطَّن أنفسهم عليه . ومعنى الاستعلاء في « على النار » : أنّ أهلها مشرفون عليها ، فإنّ المصطلين بها والمستمتعين بها إذا اكتنفوها قياما وقعودا كانوا مشرفين عليها . أو مستعلون المكان القريب منها ، كما قال سيبويه في مررت بزيد : إنّه لصوق بمكان يقرب منه . * ( فَلَمَّا أَتاها ) * أتى النار وجد نارا بيضاء تتّقد في شجرة خضراء * ( نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) * فتحه ابن كثير وأبو عمرو ، أي : بأنّي . وكسره الباقون بإضمار القول ، أو إجراء النداء مجراه . وتكرير الضمير لتوكيد الدلالة ، وتحقيق المعرفة ، وإماطة الشبهة . روي : أنّه لمّا نودي : يا موسى ، قال : من المتكلَّم ؟ قال : إنّي أنا اللَّه . فوسوس إليه إبليس : لعلَّك تسمع كلام شيطان . فقال موسى : أنا عرفت أنّه كلام اللَّه ، بأنّي أسمعه من جميع الجهات وبجميع أعضائي . وهو إشارة إلى أنّه تلقّى من ربّه كلامه تلقّيا روحانيّا ، ثمّ تمثّل ذلك الكلام لبدنه ، وانتقل إلى الحسّ المشترك ، فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة . وروي : أنّه حين انتهى رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها ، كأنّها نار بيضاء